ما هي وصايا لقمان لابنه

ما هي وصايا لقمان لابنه

by: Mawdoo3.com  Last Get 2020-10-29 14:46:03
Share
ما هي وصايا لقمان لابنه

لقمان الحكيم

هو لقمان بن عنقاء بن سدون، ويُقال: لقمان بن ثاران، كان عبداً حبشيّاً أسودَ قصيراً، منخفض قصبة الأنف، غليظ الشفتَين، مُشقَّق القدمَين، وكان رجلاً صالحاً مُكرِماً للجار، عفيف المَطعم، عابداً لله، مُوفِّياً بعهده أميناً، غاضّاً للبصر، حافظاً للسان، حكيماً وعالماً، وكان يترك ما لا يعنيه، كما كان عميق النظر في الأمور؛ يُطيل السكوت، ولا يتحدّث إلّا بالحكمة،1 أما ابنه فقد قال البغوي -رحمه الله- في تفسيره: "اسمه أنعم، ويقال: مشكم"، ولا يترتّب على معرفة اسمه فائدة دنيوية ولا أخروية، ولذلك أبهم الله -تعالى- اسمه ليحصل المقصود والغرض من ذكر القصّة.[2]

وصايا لقمان لابنه

أوصى لقمان الحكيم ابنه بوصايا جمعت بين أصول العقيدة، والشريعة، والأخلاق، وتعظيم قدرة الله -تعالى- ونفاذ إرادته في خلقه، وإقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المُنكر، والصبر على ما نزل به من مصائب، والاتِّصاف بلِين الجانب، والابتعاد عن التكبُّر، والتحدُّث إلى الناس بلُطف، مع خفض الصوت، والابتعاد عن الغلظة في الكلام.[3]

الوصايا المُتعلِّقة بأصول العقيدة


أوصى لقمان ابنه بجملةٍ من الوصايا المتضمنة القيام بأعمالٍ صالحة عديدة، ومنها:

  • التوحيد: وذلك بقوله: (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّـهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)؛[4] حيث أمرَ ابنَه أن يعبدَ الله -عزّ وجلّ- وحدَه، ونهاه أن يعبدَ غيره، وأخبره أنّ الشرك ظلم عظيم؛ فهو ظلمٌ لما فيه من وَضعٍ للشيء في غير مكانه، وعظيمٌ لما فيه من التسوية بين المُدبِّر لكلّ شيء ومن لا يملك نفعاً، ولا ضَرّاً من الأصنام.5

  • التذكير بالحساب وعلم الله الواسع: وذلك بقول الله -تعالى-: (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)[6]، فإلى الله -عزّ وجلّ- المرجع، لا ملجأ منه -سبحانه- إلّا إليه، فينبّئ الإنسانَ بما غاب عنه من أمور في الدنيا؛ حيث إنّ الإنسان ينسى، والله لا يخفى عليه شيء، ولا ينسى ما اقترفه الإنسان من الذنوب، كما لا يخفى عنه ما أدّاه من العبادات.[7]


الوصايا المُتعلّقة بالأعمال الصالحة


أوصى لقمان ابنه بجملةٍ من الوصايا التي فيها أعمالٌ صالحة، ومنها:

  • البِرّ بالوالدين: وذلك في قوله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ*وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)؛[8] حيث حملت الآية إشارات عديدة للأسباب الدّافعة إلى برّ الوالدين، والجهد المبذول منهما تجاه أولادهما، وخاصّة الأم، وما تعانيه من جهد الحمل، وتعب الإرضاع، بالإضافة إلى طلب الشكر للوالدين؛ لأنّه من الشكر لله، وأمرٌ لمَن كان أبواه على الشرك بالإحسان إليهما، وعدم طاعتهما في شركهما.9
للمزيد من التفاصيل عن بر الوالدين الاطّلاع على المقالات الآتية:

((موضوع قصير عن بر الوالدين)).

((كيف يكون بر الوالدين)).
  • إقامة الصلاة: وذلك بقوله: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ)؛[10] وكان ذلك انتقالاً منه إلى تعليم ابنه أصول الأعمال الصالحة بعد أن كان يُعلّمه أصول العقيدة؛ فبدأ بأهمّ الأعمال وهي الصلاة، والتي هي عمود الدين، وأمره بأن يبقى مُقيماً للصلاة، ومُحافظاً عليها؛ لأنّها من أعظم القُربات إلى الله -عزّ وجلّ-.[11]
للمزيد من التفاصيل عن إقامة الصلاة الاطّلاع على مقالة: ((تعليم الصلاة الصحيحة)).
  • الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وذلك بقوله: (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ)؛[10] وهذه هي وظيفة الرّسل –عليهم السّلام- ومهمّتهم في الأرض؛ فالاقتداء بهم من أعظم القُربات عند الله -تعالى-، وتكمن أهمّية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في حفظ مصالح العباد، وحقوقهم، فالضرورات الخمس المعروفة لا يتمّ الحفاظ عليها إلّا من خلال الأمر بالمعروف، والنهي عن المُنكر، وهي سبيل صَون العقيدة، وحفظ الفضيلة، وفلاح الأمّة، ونَصرها.12

  • الصبر: وذلك بقوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)؛[10] إذ أمر ابنَه بأن يتحمّل ما ينزل به من مصائب، وحوادث، وأوصاه بالصبر بعد الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لأنّه سوف يتعرّض للإيذاء؛ جرّاء هذين الأمرَين، فإن صبر فإنّ الله سيجزيه الأجر العظيم.[13]
للمزيد من التفاصيل عن خُلُق الصبر الاطّلاع على مقالة: ((مفهوم الصبر في الإسلام)).


الوصايا المُتعلِّقة بالعلاقة مع الناس


وردت العديد من الوصايا في ما يتعلّق بالروابط مع الناس، ومنها:

  • التنفير من الكبر وازدراء الناس: وذلك بقوله: (وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)؛[14] إذ نهاه عن احتقار الناس، وازدرائهم، وعدم الميل عنهم بوجهه، أو إظهار هيئة المُستخِفّ بهم.[15]

  • تَرك الخيلاء والفخر: وذلك بقوله: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)؛[14] وفي هذا نهي صريح عن عموم التكبُّر؛ سواء كان في المشي، أو في غيره، ونهيٌ عن الفرح المُفرط الذي يَظهر فيه الكِبر، وبيانٌ أنّ الله -عزّ وجلّ- يبغض أهل التكبُّر والخيلاء.[15]

  • الوقار والتوسُّط: وذلك بقوله: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ)؛[16] وفي هذا أمرٌ له بالاعتدال في المَشي، وذلك بالتوسُّط فيه؛ دون إسراع، أو إبطاء مُخِلَّين.17

  • أدب الحديث: وذلك بقوله: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)؛[16] إذ أمره هنا بخفض الصوت أثناء الكلام؛ لما في ذلك من الوقار، وعدم إيذاء الناس، وضرب له مثلاً بعُلوّ الصوت، ألا وهو صوت الحمير؛ لما كان معروفاً بين العرب من قُبحه.[18]

العِبر المُستفادة من وصايا لقمان

تُستفاد من قصّة لقمان الحكيم مع ابنه وموعظته له عدّة عِبر، منها:[19]

  • تفضُّل الله -عزّ وجلّ- على سائر خلقه، وإنعامه عليهم، فهو من أعطى الحكمة للقمان -عليه السلام-، قال -تعالى-: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ).[20]

  • أهمّية شُكر الله -تعالى- على نِعمه التي لا تُعَدّ، ولا تُحصى.

  • أهمّية عناية الوالد بولده، واختصاصه بالنصح له، كما فعل لقمان بابنه، وكما نصح نبيّ الله نوح عليه السلام ابنه بقوله: (يا بُنَيَّ اركَب مَعَنا وَلا تَكُن مَعَ الكافِرينَ)،[21] بالإضافة إلى نُصح يعقوب عليه السلام لأبنائه بقوله: (يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).[22]

  • بيان عظيم خطر الشرك بالله -تعالى-، وما في ذلك من ظُلم.

  • الحرص على بِرّ الوالدين، والاعتناء بهما،وشُكرهما، وتخصيص الأم بمزيد من العناية؛ لما بذلته من جهد في الحمل، والرضاعة، والتربية، والرعاية.

التعريف بسورة لقمان

قِيل إنّ قريشاً سألت النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- عن قصّة لقمان الحكيم مع ابنه، فنزلت السورة إجابة لهم عن سؤالهم، وابتدأت السورة الكريمة ب (الم)؛[23] تنبيهاً للأسماع للإنصات إلى الهدي الربّاني، وتضمّنت الآيات الكريمة ذِكر المُحسنين أهل الفلاح، وذكرت صنفَين من الناس؛ الصنف الذي يُعرِض عن الحقّ عند عَرضه عليه، والمؤمن الذي يقبله دون تردُّد، ثمّ ذكرت الجزاء الخاصّ بكلٍّ منهما، وتطرّقت الآيات إلى ذِكر مظاهر قدرة الله -عزّ وجلّ-، كما ذكرت تحدّي النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- للمشركين؛ بإظهار قدرة الله على كلّ شيء، وعلى الآلهة التي عبدوها، وبيّنت عجزهم عن ذلك، وانحباسهم في ظلمات الشرك، ثمّ تطرّقت إلى ذِكر وصايا لقمان لابنه، وبيان الأصول التي اشتملت عليها هذه الوصايا؛ من توحيد لله -عزّ وجلّ-، والنهي عن الشرك به، والأمر بأداء أصول العبادات، وذِكر جملة من النصائح في التعامل مع الناس، وغيرها الكثير من المقاصد التي اشتملت عليها الآيات الكريمة.24 وطرح لقمان مثلاً في بيان قدرة الله -عزّ وجلّ- حين ضرب مثلاً بحبّة الخردل في صِغر حجمها، وحقارة منزلتها؛ إذ إنّها لو أُخفِيت تحت صخرة لأخرجها الله -عزّ وجلّ- بلطيف عِلمه.[25]
للمزيد من التفاصيل عن سورة لقمان الاطّلاع على مقالة: ((تعريف سورة لقمان وسبب نزولها)).

الحكمة في التربية: مفهومها وأساليبها

تناول أهل العلم مفهوم الحكمة، وتعدّدت تعريفاتهم بتعدّد اتّجاهاتهم، فضلاً عن تركيز بعضهم على جانب أكثر من غيره؛ فذهب المفسّرين إلى أنّ الحكمة هي: معرفة الحقّ بهدف تمييزه عن الباطل؛ لأجل العمل به، وهو يقع ضمن هذا الفهم من التّكاليف الشّرعية، في حين عرّفها الإمام النووي بأنها: العلم الذي يشتمل على معرفة الإنسان بالله، بحيث يُعطى نفاذ البصيرة، يتبعه تهذيبٌ للنفس؛ للوصول إلى الحقّ، والعمل به، واجتناب ما يُخالفه،[26] ويرى الإمام الرّازي أنها: الحكم الصادق المبرأ من الزيغ والخلل، ويرى أهل العلم أنّ الحكمة لا تُؤتى إلا بالاستيعاب الواعي لحقائق الإيمان، وفهم القرآن وشرائع الإسلام، ويمكن القول أنّ كلّ التعريفات تتّفق على أنّ الحكمة تعني: إجادة التّصرّف الذي ينبغي القيام به على الوجه الصحيح في الوقت.[27]

ويُشار إلى أنّ تربية الأبناء تحتاج إلى كثير من الجهد والكدّ، كما تحتاج التربية إلى توظيف الأحداث وإدارة المواقف، فالحكمة تقوم على ساقَين، هما: العلم والفقه؛ ولهذا كانت الحكمة مرتبطة بالعلم النافع، والعمل الصالح، والإنسان لا يبلغ مرتبة الحكمة بالعلم وحده، بل يجب عليه العمل كذلك، وعلى المُربّي أن يكون قدوة صالحةً لمَن تتمّ تربيته، جامعاً للعلم والفهم، رابطاً إيّاها بالعمل، ومن أساليب التربية:[28]

  • أسلوب الموعظة: وهو الأسلوب الذي يتمّ فيه نُصح الشخص، مع تذكيره بعواقب الأمور المُترتِّبة على فعله، يقول الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ).[29]

  • أسلوب التودُّد: وذلك بالتقرُّب إلى المنصوح، وذلك في قوله لابنه: (يَا بُنَيَّ)،[29] مع التكرار في التودُّد.

  • أسلوب التدليل والتعليل: وذلك بأن يُدلّل الإنسان على كلامه، ويبرهنه، كما في قوله -تعالى-: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).[30]

  • أسلوب التنفير من الأعمال المُستقبَحة؛ كقوله: (وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).[31]

references

  • 2 - " " , www.islamweb.net , 13-3-2006، 11-6-2020. بتصرّف. .
  • 3 - وهبة الزحيلي (1422 هـ)، <i> " " , (الطبعة الأولى)، دمشق: دار الفكر، صفحة 2026، جزء 3 , وهبة الزحيلي (1422 هـ)، .
  • 4 - "" .
  • 6 - "" .
  • 7 - أحمد حطيبة، <i> " " , ، السعودية: موقع الشبكة الإسلامية، صفحة 6، جزء 228 , أحمد حطيبة، .
  • 8 - "" .
  • 10 - "" .
  • 11 - محمد بن عاشور (1384 هـ)، <i> " " , ، تونس: الدار التونسية للنشر، صفحة 164، جزء 21 , محمد بن عاشور (1384 هـ)، .
  • 13 - محمد الشعراوي (1997م)، <i> " " , ، مصر: مطابع أخبار اليوم، صفحة 11661، جزء 19 , محمد الشعراوي (1997م)، .
  • 14 - "" .
  • 15 - محمد بن عاشور (1384 هـ )، <i> " " , ، تونس: الدار التونسية للنشر، صفحة 166، جزء 21 , محمد بن عاشور (1384 هـ )، .
  • 16 - "" .
  • 18 - نصر السمرقندي، <i> " " , ، صفحة 26، جزء 3 , نصر السمرقندي، .
  • 19 - مصطفى العدوي، <i> " " , ، مصر: مكتبة مكة، صفحة 76-81 , مصطفى العدوي، .
  • 20 - "" .
  • 21 - "" .
  • 22 - "" .
  • 23 - "" .
  • 25 - سعيد حوّى (1424 هـ )، <i> " " , (الطبعة السادسة)، القاهرة: دار السلام، صفحة 4331، جزء 8 , سعيد حوّى (1424 هـ )، .
  • 26 - عدد من المؤلفين، <i> " " , (الطبعة الرابعة)، جدة: دار الوسيلة للنشر والتوزيع، صفح , عدد من المؤلفين، .
  • 27 - ناصر العمر، <i> " " , ، السعودية: منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية، صفح , ناصر العمر، .
  • 28 - أحمد القاضي، " " , المشير , أحمد القاضي، .
  • 29 - "" .
  • 30 - "" .
  • 31 - "" .

by: Mawdoo3.com  Last Get 2020-10-29 14:46:03